الاثنين، ١٦ فبراير ٢٠٠٩

*** مذكرات معتقل كي . جي . وان .


**بعد ايام قليلة تحل الذكري الأولي لأول تجربة اعتقال لشخصي الضعيف رأيت أن اسجل خواطري عنها .




( الجزء الأول )

كتيرا ما رحت في سبات عميق وأنا اتوقع انني سوف اصحو مفزوعا علي وقع اقدامهم الثقيلة علي ارضية الطرقه المؤدية الي باب الشقة او علي ركلاتهم المأزومة لباب الشقة الضعيف والذي من الممكن أن يتهاوي بعد ركلة أو ركلتين .....سنوات طوال يدور بخلدي هذا المشهد ومشاهد أخري أكثر فزعا بعد ذلك المشهد الافتتاحي ... أكثرها فزعا ما كنت اتوقع أن يتعرض له الأبناء والزوجة إذا ما حانت تلك اللحظة رغم تلميحاتي الغير مباشرة لكيفية التصرف في مثل هذه المواقف مع علمي أن الواقع العملي يختلف كثيرا عن التخيل النظري حتي ظلت تلك المشاهد عالقة بالذهن وكأنها روتين يومي كلما خلدت الي النوم وكانت هناك أحداث علي الساحة تنبئ بمثل هذه المشاهد.
لكن لطف الله يأتي دائما مع قدره فلما أتت هذه اللحظة كانت علي غير توقع مني أو تحسب أو استعداد ورغم أن هذا ما يريدونه هم ايضا من هذه اللحظة إلا أنهم لا يعلمون أن في هذا لطف الله... فبينما أنا جالس امام جهاز الحاسوب أتابع بعض المواقع الأخبارية بعد الكثير من الأعمال التي أنجزتها في المساء جاءت الطرقات عادية فتح احد الأبناء باب الشقة فوجئ بمن يدفعه من الخارج تراجع الابن لِما رأي من عدد الجنود كانت الزوجة حاسرة الشعر تتحدث في الهاتف في ردهة الشقة صاحت في الابن تخبره بذلك تنبهت أنا في تلك اللحظة وخرجت من استرخائي مسرعا الي الردهة فإذا بالقوات وقد انتشرت في أرجاء المنزل وكأنهم قد حرروا التبة ( 86) لم يهتز لي جفن فقد كانت تلك اللحظة تراودني مذ سنوات طوال منذ أن كنت طالبا في الجامعة وعضوا بمجلس ادارة بنقابة المهندسين بالمحافظة...وجدتني بكل ثقة أقودهم الي أرجاء الشقة أيسر لهم عمليات التفتيش التي لم ادر عما كانت تدور فلقد بدأوا بالغسالة والثلاجة وموقد الغاز وتركوا مخزن الأسلحة والذخائر حتي النهاية...المدهش والذي لم أكن أتوقعه في هذا الصدد هو الزوجة و الأبناء الصغار- فقد كان الأبناء الكبار يبيتون خارج المنزل- و ما ظهر عليهم من رباطة الجأش عقب لحظات لا تذكر من الارتباك فقد صرخت الزوجة في قائد الحملة وكأنها تأمره بان يأمر هؤلاء الجنود بالانصراف من داخل وأمام الشقة مذكره اياه بأننا لو كنا أخذنا قروضا من البنوك وهربنا ما جاء مثل هذا العدد امتثل الضابط لرغبتها وابقي علي جندي وضابط فقط بالإضافة إلي المخبر الذي يشاركه التفتيش...لم يترك الضابط شئ لم يفتشه حتي حقيبة تلميذ الابتدائي والعجيب في الأمر أن ولدي الصغيرين والذي كنت اتوقع أن الفزع قد يخلع قلبيهما كانا يساعدان الضابط في تقليب محتويات المنزل وكأنهما يمارسان شئ مسلي ...استأذنته في تجهيز الحقيبة وكان رده الكاذب الذي تعود عليه كل المعتقلين السياسيين لسنا في حاجه إليك فلماذا تقدر ذلك!!....بدا الأبناء والزوجة في تجهيز الحقيبة وكي بعض الملابس...توضأت وصليت العشاء علي غير العادة في مثل هذا الوقت المتأخر ... داعب النعاس جفون طفلي الأصغر الذي لم يبلغ العاشرة فنام في الحجرة التي فرغوا توا من تفتيشها....بدأت الحملة في جمع الغنائم وهي جهاز الحاسوب وكل الاسطوانات ولم يقع اختيارهم من مخزن الأسلحة والذخائر إلا علي بعض الكلاشنيكوفات البسيطة ومنها علي سبيل المثال" دروس مستفادة من حرب الخليج" "في ذكري المولد النبوي الشريف" " إنا أنزلناه في ليلة القدر" " التشريع المالي الاسلامي" واستعجبت لماذا لم يأخذ كتب ماركس ولينين ونزار قباني ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولا حتي سيد قطب ولا اذكر الباقي المهم أن جميع هذه الكتب إسلاميه وعليها أرقام إيداع ومشتراة من مكتبات عامة وتتحدث في موضوعات ليست محرمه دوليا أو محليا... وعجيبة أخري أن قائد الحملة لم يجد شئ يأخذه من حجرة الابناء فعز عليه ذلك فأصر أن يأخذ دف كان ابني الأكبر يأخذه معه في تدريبات فريق الجوالة بالكلية وهم يتدربون علي السمر وبعد مناقشات بيني وبينه تركه علي مضض حيث أخبرته أنه ملك رعاية الشباب بالكلية ونحن لم نعترض علي أي شئ أخر أخذته مما نملك... خاطبني قائلا : عايزينك معنا شويه...ضحكت وقلت له ضاحكا : الم اقل لك انه يجب علي ان اجهز حقيبتي...رد قائلا ل: لكن لا تتأخر...في الحقيقة كانت الحقيبة جاهزة وكان علي ن ارتدي ثياب الخروج.. القيت السلام علي الموجود من الأسرة في الوقت الذي كان يفتش فيه الحقيبة... ومع نسمات فجر العشرين من فبراير انطلقت السيارة التي تقلني و أمامي سيارة وخلفي أخري وكأني "خِط الصعيد" ولا ادري إلي أين كان البرد قارسا والعربة مكشوفة وثلة من المجندين الغلابة يواسونني ويطيبون خاطري ويذكرونني بأن البس أي شئ ثقيل فوق ملابسي إذا كان بالحقيبة مثل هذا الشئ .
تخطت السيارة المنطقة التي يقع فيها مبني امن الدولة وانطلقت متجهة الي معسكر فرق الامن داخل احد العنابر اتضحت الرؤية فقد كان الكثير من الوجوه التي اعرفها والتي من الممكن ان ترشح في انتخابات المحليات وكان باب العنبر يفتح بين الفينة والفينة لإستقبال نزلاء جدد من جميع مراكز المحافظة.
امام النيابة كانت الاتهامات المعلبة تعليبا رديئا مفضوحا فقد كانت كل ادلة الاتهام الكتب ذات ارقام الايداع والتي من الممكن ان تحصل عليها من أي مكتبة في السوق بالإضافة الي جهاز الحاسوب وما يحتوي من العاب أو افلام أو صور خاصة وعامة واكثرها فداحة ووقاحة محضر التحريات الذي يذكر سعينا للحصول علي متفجرات وقنابل ولم تقدم حتي بمبة واحدة إلا إذا كان كل كتاب في نظرهم مواد متفجره... وكلاء النيابة مغلوبون علي أمرهم فهو يحقق معك ويعلم ان القرار ليس بيده وهو قرار سياسي ...ثلاثة ايام قضينها بين النيابة وقسم الشرطة نبيت نحن الثلاثة التابعين لقسم اول في غرفة لا تزيد عن مترونصف في متر ملحق بها دورة مياة هي الحسنة الوحيدة في الحجرة .

قريبا:- الجزء الثاني